تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
الذي هو عذاب اللَّه ؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شيء ، هو بعض عذاب اللَّه ؟ أي : بعض بعض عذاب اللَّه » « 1 » . ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال : * ( قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّه لَهَدَيْناكُمْ . . ) * . أي : قال المستكبرون - بضيق وتحسر - في ردهم على المستضعفين : لو هدانا اللَّه - تعالى - إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم « لهديناكم » إليه ، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا . ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : * ( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) * . والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله . يقال : جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا ، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا . والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب . يقال : حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ومحيصا ، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار . أي : مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب ، والصبر على ذلك ، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم . فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة ، وهي أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم في الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين عليهم ، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء ، والتسليم بالواقع الأليم الذي لا محيص لهم عنه . قال الإمام ابن كثير : « قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى اللَّه - تعالى - ، تعالوا نبك ونتضرع إلى اللَّه ، فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا حتى نصبر ، فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك . فعند ذلك قالوا : * ( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) * « 2 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 373 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 408 .