تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
أظهروها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها : الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم . . . ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال : والذي يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة : هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار ، حيث جمعوا في الإنكارين : الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب . . . » « 1 » . ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا . وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال : « وهذا التركيب لا أعهد مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن : ومعنى * ( فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) * . يحتمل عدة وجوه أنهاها في الكشاف إلى سبعة ، وفي بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل « 2 » . ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل تركوهم إهمالا لشأنهم . وقد رجح الشوكاني هذا الاتجاه فقال ما ملخصه : « وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل . أي : لم يؤمنوا ولم يجيبوا . والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده في فيه . وهكذا قال الأخفش ، واعترض على ذلك القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول : رد يده في فيه ، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا . . . فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب . . . « 3 » . وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق في أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب . . . إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال في معناها ، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر :
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 13 ص 173 . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج 13 ص 196 . ( 3 ) راجع تفسير الشوكاني ج 3 ص 97 ففيه ما يقرب من عشرة أقوال في معنى الآية .