تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
التقديرين ، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم « 1 » . ومع أننا نؤيد الإمام الرازي في أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأي الثاني ، لأن قوم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآني ، ولأن الإمام ابن كثير - رحمه اللَّه - يرى أنه لم يرد ذكر في التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال : قال ابن جرير : « هذا من تمام قول موسى لقومه . . . وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من اللَّه - تعالى - لهذه الأمة ، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ، فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان في التوراة « 2 » . والاستفهام في قوله * ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ . . . ) * للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم ، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذي كان مشهورا بينهم ، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب ، ومساكنهم في بلادهم ، وهم يمرون على ديار قوم صالح في أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة . والمراد بالذين من بعدهم : أولئك الأقوام الذين جاؤوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، كقوم إبراهيم وقم لوط وغيرهم . وقوله : * ( لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّه ) * أي : لا يعلم عدد الأقوام الذين جاؤوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا اللَّه تعالى . وقوله * ( والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) * مبتدأ ، وقوله * ( لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّه ) * خبره ، والجملة اعتراض بين المفسر - بفتح السين - وهو نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وتفسيره وهو * ( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * . والمعنى : لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا اللَّه - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذي جاء لسعادتكم ، لكي تنجوا من العذاب الأليم الذي حل بالظالمين من قبلكم . وجملة * ( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * مستأنفة في جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم ؟
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 88 طبعة دار الكتب العلمية - طهران . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 400 .