وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ . . . ) * تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه . ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التي لا صلة لها بدعوته ، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع الأرض ، وتكليم الموتى .
والاستهزاء : المبالغة في السخرية والتهكم من المستهزأ به . والإملاء : الإمهال والترك لمدة من الزمان .
والتنكير في قوله * ( بِرُسُلٍ ) * للتكثير ، فقد استهزأ قوم نوح به ، وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه .
واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ « 1 » .
واستهزأ قوم هود به وقالوا له : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ . . . « 2 » واستهزأ فرعون بموسى فقال : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ « 3 » .
والمعنى : ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك - أيها الرسول الكريم - * ( فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي : فأمهلتهم وتركتهم مدة من الزمان في أمن ودعة .
* ( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) * أخذ عزيز مقتدر * ( فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) * فانظر كيف كان عقابي إياهم ، لقد كان عقابا رادعا دمرهم تدميرا .
فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وإِلَيَّ الْمَصِيرُ « 4 » .
قال ابن كثير : وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « وإن اللَّه ليملى للظالم حتى
هامش
( 1 ) سورة الشعراء الآية 187 .
( 2 ) سورة الأعراف الآية 66 .
( 3 ) سورة الزخرف الآية 52 .
( 4 ) سورة الحج الآية 48 .