تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( بَلْ لِلَّه الأَمْرُ جَمِيعاً ) * إضراب عن مطالبهم المتعنتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد اللَّه ، وأن قدرته - سبحانه - لا يعجزها شيء . أي : إن اللَّه - تعالى - لا يعجزه أن يأتي بالمقترحات التي اقترحوها ، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه ، لعلمه - سبحانه - بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات . وقوله - سبحانه : * ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّه لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) * تيئيس للمؤمنين من استجابة أولئك الجاحدين للحق ، إلا أن يشاء اللَّه لهم الهداية ، والاستفهام للإنكار . وأصل اليأس : قطع الطمع في الشيء والقنوط من حصوله . وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان : أحدهما يرى أصحابه أن الفعل ييأس على معناه الحقيقي وهو قطع الطمع في الشيء ، وعليه يكون المعنى : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش ، ويعلموا أن اللَّه - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا ، ولكنه لم يشأ ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب . وعلى هذا الاتجاه سار الإمام ابن كثير فقد قال - رحمه اللَّه - : وقوله - تعالى : * ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ) * أي : من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا * ( أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّه لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) * فإنه ليس هناك حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذي لو أنزله اللَّه على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اللَّه . وثبت في الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ما من نبي إلا وقد أوتى ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللَّه إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة « 2 » . ويؤيد هذا الاتجاه ما ذكره السيوطي في تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول صلى اللَّه عليه وسلم يا رسول اللَّه ، اطلب لهم - أي للمشركين - ما اقترحوه عسى أن يؤمنوا . أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم ، وعليه يكون المعنى : أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه - لو شاء هداية الناس جميعا لآمنوا . وهذا الاتجاه صدر به الآلوسي تفسيره فقال ما ملخصه :
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 382 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 385 .