تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا : العرب خاصة ، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم ، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة الأصنام . قال الآلوسي : « قوله * ( وما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ) * أي : وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف ، وروى هذا عن ابن عباس والسدي ومجاهد . . وذلك من عهد آدم - عليه السلام - إلى أن قتل قابيل هابيل . وقيل إلى زمن إدريس - عليه السلام - وقيل إلى زمن نوح . وقيل كانوا كذلك في زمنه - عليه السلام - بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر . وقيل : من لدن إبراهيم - عليه السلام - إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام ، وهو المروي عن عطاء . وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة . وهو الأنسب بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل ، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك » « 1 » . وقوله : * ( فَاخْتَلَفُوا ) * أي ما بين ضال ومهتد ، فبعث اللَّه إليهم رسله ، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب ، ولينذروا الضالين بسوء العقاب . والفاء للتعقيب ، وهي لا تنافى امتداد زمان اتفاقهم على الحق ، لأن المراد بيان أن وقوع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق ، لا عقيب حدوثه . والمراد بالكلمة في قوله : * ( ولَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . . . ) * ما قضاه اللَّه - تعالى - وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة . أي : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة ، لقضى بينهم - سبحانه - في هذه الدنيا . فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب . وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدى إلى التفرقة في الدين ، وإلى الشقاق والنزاع ، كما تضمنت تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من قومه : فكأنه - سبحانه - يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر ، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 90 .