تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وقوله - تعالى - في خلال حديثه عن مريم ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيه إِلَيْكَ ، وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ « 1 » . إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لم يكن معاصرا لمن جاء القرآن بقصصهم ، ولم يطلع على كتاب فيه خبرهم ، فلم يبق لعلمه صلى اللَّه عليه وسلم بذلك طريق إلا طريق الوحي . ثم ساق - سبحانه - ما يبعث التسلية والتعزية في قلب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( وما أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) * . أي : لقد جئت - أيها الرسول - للناس بدين الفطرة ، الذي ترتاح له النفوس وتتقبله القلوب بسرور وانشراح . ولكن أكثر الناس قد استحوذ عليهم الشيطان ، فمسخ نفوسهم وقلوبهم ، فصاروا مع حرصك على إيمانهم ، ومع حرصك على دعوتهم إلى الحق على بصيرة ، لا يؤمنون بك ، ولا يستجيبون لدعوتك ، لاستيلاء المطامع والشهوات والأحقاد على نفوسهم . وفي التعبير بقوله - سبحانه - * ( وما أَكْثَرُ النَّاسِ . . . ) * إشعار بأن هناك قلة من الناس قد استجابت بدون تردد لدعوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فدخلت في الدين الحق ، عن طواعية واختيار . وقوله * ( ولَوْ حَرَصْتَ ) * جملة معترضة لبيان أنه مهما بالغ النبي صلى اللَّه عليه وسلم في كشف الحق ، فإنهم سادرون في ضلالهم وكفرهم ، إذ الحرص طلب الشيء باجتهاد . قال الآلوسي ما ملخصه : « سألت قريش واليهود رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن قصة يوسف ، فنزلت مشروحة شرحا وافيا ، فأمل النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يكون ذلك سببا في إسلامهم ، فلما لم يفعلوا حزن صلى اللَّه عليه وسلم فعزاه اللَّه - تعالى - بذلك » « 2 » . وقوله * ( وما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْه مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) * زيادة في تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وفي إعلاء شأنه . أي أنك - أيها الرسول الكريم - ما تسألهم على هذا القرآن الذي تتلوه عليهم لهدايتهم وسعادتهم من أجر ولو كان زهيدا ضئيلا . كما يفعل غيرك من الكهان والأحبار والرهبان . . . وإنما تفعل ما تفعل ابتغاء رضا اللَّه - تعالى - ونشر دينه .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 44 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 13 ص 65 .