وقوله * ( وسُبْحانَ اللَّه وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * تنزيه للَّه - تعالى - عن كل ما لا يليق به على أبلغ وجه .
أي : وأنزه اللَّه - تعالى - تنزيها كاملا عن الشرك والشركاء ، وما أنا من المشركين به في عبادته أو طاعته في أي وقت من الأوقات .
ثم بين - سبحانه - أن رسالته صلى اللَّه عليه وسلم ليست بدعا من بين الرسالات السماوية ، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه في الدعوة إلى اللَّه ، فقال - تعالى - * ( وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . . ) * .
أي : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أوامرنا ونواهينا إلى الناس ، إلا رجالا مثلك ، وهؤلاء الرجال اختصصناهم بوحينا ليبلغوه إلى من أرسلوا إليهم ، واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولا . وأكثر حلما .
وإنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن الجنس إلى جنسه أميل ، وأكثرهم تفهما وإدراكا لما يلقى عليه من أبناء جنسه .
ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال : * ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . ) * .
أي : أوصلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميرا ، وهؤلاء الجاحدون الذين دمروا ما زالت آثار بعضهم باقية وظاهرة في الأرض . وقومك - يا محمد - يمرون عليهم في الصباح وفي المساء وهم في طريقهم إلى بلاد الشام ، كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - .
فالجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم في الشرك والجحود .
وقوله * ( ولَدارُ الآخِرَةِ ) * وما فيها من نعيم دائم * ( خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) * اللَّه - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .
* ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول في الإيمان ، ونبذ الكفر والطغيان .
ثم حكى - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل فقال : * ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا . . . ) * .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 424
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٢٤