إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا عن عودته إلى أبيه . . . إن هذا كله لا يؤثر شيئا في شعور الرجل الصالح بربه ، فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلمه هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة . . .
وهذه قيمة الإيمان باللَّه . . .
إن هذه الكلمات « أعلم من اللَّه ما لا تعلمون » تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها . وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ماذا تعنى هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب . . . والقلب الذي ذاق هذا المذاق ، لا تبلغ الشدائد منه - مهما - بلغت إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق . . . » « 1 » .
ثم يمضى يعقوب - عليه السلام - في رده على أولاده فيأمرهم أن يواصلوا بحثهم عن يوسف وأخيه ، وأن لا يقنطوا من رحمة اللَّه فيقول : * ( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيه ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّه إِنَّه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * .
والتحسس : هو طلب الشيء بطريق الحواس بدقة وحكمة وصبر على البحث .
أي : قال يعقوب لأبنائه : يا بنى « اذهبوا » إلى أرض مصر وإلى أي مكان تتوقعون فيه وجود يوسف وأخيه « فتحسسوا » أمرهما . وتخبروا خبرهما ، وتعرفوا نبأهما بدون كلل أو ملل .
وفي التعبير بقوله « فتحسسوا » إشارة إلى أمره لهم بالبحث الجاد الحكيم المتأنى « ولا تيأسوا من روح اللَّه » أي : ولا تقنطوا من فرج اللَّه وسعة رحمته ، وأصل معنى الروح التنفس . يقال : أراح الإنسان إذا تنفس ، ثم استعير لحلول الفرج .
وكلمة « روح » - بفتح الراء - أدل على هذا المعنى ، لما فيها من ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما تتنسمه الأرواح من رحمة اللَّه .
وقوله * ( إِنَّه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) * تعليل لحضهم على التحسس أي : لا تقصروا في البحث عن يوسف وأخيه ، ولا تقنطوا من رحمة اللَّه ، فإنه لا يقنط من رحمة اللَّه إلا القوم الكافرون ، لعدم علمهم باللَّه - تعالى - وبصفاته وبعظيم قدرته ، وبواسع رحمته . . .
أما المؤمنون فإنهم لا ييأسون من فرج اللَّه أبدا ، حتى ولو أحاطت بهم الكروب ، واشتدت عليهم المصائب . . .
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن ج 13 ص 2026 .