وقوله - تعالى - * ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا . . . ) * حكاية لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم ، فخرجوا إلى مصر للمرة الثالثة ، ليتحسسوا من يوسف وأخيه ، وليشتروا من عزيزها ما هم في حاجة إليه من طعام .
والبضاعة : هي القطعة من المال ، يقصد بها شراء شيء .
والمزجاة : هي القليلة الرديئة التي ينصرف عنها التجار إهمالا لها .
قالوا : وكانت بضاعتهم دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أي : بأقل قيمة - وقيل غير ذلك .
وأصل الإزجاء : السوق والدفع قليلا قليلا ، ومنه قوله - تعالى - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يُزْجِي سَحاباً . . . أي : يرسله رويدا رويدا . . .
وسميت البضاعة الرديئة القليلة مزجاة ، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها التجار إلا بأبخس الأثمان .
والمعنى : وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف ، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة « يا أيها العزيز » أي : الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة في الرزق ، « مسنا وأهلنا الضر » أي :
أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع .
* ( وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) * أي : وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إهمالا لها ، واحتقارا لشأنها .
وإنما قالوا له ذلك : استدرارا لعطفه ، وتحريكا لمروءته وسخائه ، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذي حكاه القرآن في قوله :
* ( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا . . . ) * أي : هذا هو حالنا شرحناه لك ، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة ، ما دام أمرنا كذلك ، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا ، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة * ( إِنَّ اللَّه يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) * على غيرهم جزاء كريما حسنا
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 411
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤١١