تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
ويبدو أن يوسف - عليه السلام - قد تأثر بما أصابهم من ضر وضيق حال ، تأثرا جعله لا يستطيع أن يخفى حقيقته عنهم أكثر من ذلك ، فبادرهم بقوله : * ( قالَ : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأَخِيه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) * . أي : قال لهم يوسف - عليه السلام - على سبيل التعريض بهم ، والتذكير بأخطائهم : هل علمتم ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان عليهما ، وقت أن كنتم تجهلون سوء عاقبة هذا الأذى والعدوان . قالوا : وقوله هذا يدل على سمو أخلاقه حتى لكأنه يلتمس لهم العذر ، لأن ما فعلوه معه ومع أخيه كان في وقت جهلهم وقصور عقولهم ، وعدم علمهم بقبح ما أقدموا عليه . . . وقيل : نفى عنهم العلم وأثبت لهم الجهل ، لأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم . والأول أولى وأقرب إلى ما يدل عليه سياق الآيات بعد ذلك ، من عفوه عنهم ، وطلب المغفرة لهم . وهنا يعود إلى الإخوة صوابهم ، وتلوح لهم سمات أخيهم يوسف ، فيقولون له في دهشة وتعجب * ( قالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ ) * ؟ . أي : أإنك لأنت أخونا يوسف الذي أكرمنا . . . والذي فارقناه وهو صغير فأصبح الآن عزيز مصر ، والمتصرف في شؤونها ؟ . . فرد عليهم بقوله * ( قالَ أَنَا يُوسُفُ ) * الذي تتحدثون عنه . والذي فعلتم معه ما فعلتم . . . « وهذا أخي » بنيامين الذي ألهمني اللَّه الفعل الذي عن طريقه احتجزته عندي ، ولم أرسله معكم . . . « قد منّ اللَّه » - تعالى - « علينا » حيث جمعنا بعد فراق طويل ، وبدل أحوالنا من عسر إلى يسر ومن ضيق إلى فرج . . . ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه في قوله * ( إِنَّه مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * . أي : إن من شأن الإنسان الذي يتقى اللَّه - تعالى - ويصون نفسه عن كل ما لا يرضاه ، ويصبر على قضائه وقدره ، فإنه - تعالى - يرحمه برحمته ، ويكرمه بكرمه ، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وتلك سنته - سبحانه - التي لا تتخلف . . . وهنا يتجسد في أذهان إخوة يوسف ما فعلوه معه في الماضي ، فينتابهم الخزي والخجل ،
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 412 | سيد محمد طنطاوي