* ( وابْيَضَّتْ ) * عينا يعقوب من شدة الحزن على يوسف وأخيه حتى ضعف بصره ، حيث انقلب سواد عينيه بياضا من كثرة البكاء .
* ( فَهُوَ كَظِيمٌ ) * أي : ممتلئ حزنا على فراق يوسف له ، إلا أنه كاتم لهذا الحزن لا يبوح به لغيره من الناس .
قالوا : وإنما تأسف على يوسف دون أخويه - بنيامين وروبيل - مع أن الرزء الأحدث أشد على النفس . . . لأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا والخطوب ولأن حبه ليوسف كان حبا خاصا لا يؤثر فيه مرور الأعوام . . . ولأن من شأن المصيبة الجديدة أن تذكر بالمصيبة السابقة عليها ، وتهيج أحزانها ، وقد عبر عن هذا المعنى متمم ابن نويرة في رثائه لأخيه مالك فقال :
لقد لامنى عند القبور على البكا
رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته
لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت له : إن الشجى يبعث الشجى
فدعني ، فهذا كله قبر مالك
وقال صاحب الكشاف : « فإن قلت : كيف جاز لنبي اللَّه يعقوب أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ؟
قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن .
ولقد بكى النبي صلى اللَّه عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال : إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .
وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ، ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب .
وعن الحسن أنه بكى على ولد له ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : ما رأيت اللَّه جعل الحزن عارا على يعقوب » « 1 » .
ثم يحكى القرآن ما قاله أبناء يعقوب له ، وقد رأوه على هذه الصورة من الهم والحزن فيقول : * ( قالُوا تَاللَّه تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) * .
قال الشوكاني : قوله « تفتأ » أي : لا تفتأ ، فحذف حرف النفي لأمن اللبس . قال الكسائي : فتأت وفتئت أفعل كذا : أي ما زلت أفعل كذا .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 2 .