تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
شريعتنا كما تأباه شريعتكم ، فاتركوا الجدال في هذا الأمر الذي لا ينفع معه الجدال ، لأننا لا نريد أن نكون ظالمين . وبهذا الرد الحاسم قطع يوسف حبال آمال إخوته في العفو عن بنيامين أو في أخذ أحدهم مكانه ، فانسحبوا من أمامه تعلوهم الكآبة ، وطفقوا يفكرون في مصيرهم وفي موقفهم من أبيهم عند العودة إليه . . . وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : * ( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْه خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّه ومِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ . . . ) * . وقوله « استيأسوا » يئسوا يأسا تاما فالسين والتاء للمبالغة . و « خلصوا » من الخلوص بمعنى الانفراد . و « نجيا » حال من فاعل خلصوا . وهو مصدر أطلق على المتناجين في السر على سبيل المبالغة . والفاء في قوله * ( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْه . . . ) * معطوفة على محذوف يفهم من الكلام . والتقدير : لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح أخيهم بنيامين ، فلما يئسوا يأسا تاما من الوصول إلى مطلوبهم ، انفردوا عن الناس ليتشاوروا فيما يفعلونه ، وفيما يقولونه لأبيهم عندما يعودون إليه ولا يجد معهم « بنيامين » . . هذه الجملة الكريمة وهي قوله - تعالى - * ( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْه خَلَصُوا نَجِيًّا ) * من أبلغ الجمل التي اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك الإمام الثعالبي في كتاب « الإيجاز والإعجاز » فقد قال : من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار ويحيط ببلاغة الإيجاز ، ويفطن لكفاية الإيجاز ، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام . ثم قال : فمن ذلك قوله - تعالى - في إخوة يوسف * ( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْه خَلَصُوا نَجِيًّا ) * وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن ، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث . فتضمنت تلك الكلمات القصيرة ، معاني القصة الطويلة » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير القاسمي ج 9 ص 3578 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 402 | سيد محمد طنطاوي