ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف من دهشة وخزي ، بعد أن وجدت السقاية في رحل « بنيامين » وبعد أن أقسموا باللَّه على براءتهم من تهمة السرقة . . . يطوى القرآن كل ذلك ، ليترك للعقول أن تتصوره . . .
ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التي من أجلها ألهم اللَّه - تعالى - يوسف أن يفعل ما فعل من دس السقاية في رحل أخيه ، ومن سؤال إخوته عن جزاء السارق في شريعتهم فيقول * ( كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاه فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه . . . ) * .
و « كدنا » من الكيد وأصله الاحتيال والمكر ، وهو صرف غيرك عما يريده بحيلة ، وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح ، ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل .
والمراد به هنا : النوع المحمود ، واللام في « ليوسف » للتعليل .
والمراد بدين الملك : شريعته التي يسير عليها في الحكم بين الناس .
والمعنى : مثل هذا التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى غرضه ومقصده ، وهو احتجاز أخيه بنيامين معه ، بأن ألهمناه بأن يضع السقاية في رحل أخيه ، وبأن يسأل إخوته عن حكم السارق في شريعتهم . . وما كان يوسف ليستطيع أن يحتجز أخاه معه ، لو نفذ شريعة ملك مصر ، لأن شريعته لا تجيز استرقاق السارق سنة كما هو الحال في شريعة يعقوب ، وإنما تعاقب السارق بضربه وتغريمه قيمة ما سرقه .
وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم في حال من الأحوال ، إلا في حال مشيئة اللَّه ومعونته وإذنه بذلك ، فهو - سبحانه - الذي ألهمه أن يدس السقاية في رحل أخيه ، وهو - سبحانه - الذي ألهمه أن يسأل إخوته عن عقوبة السارق في شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد صواع الملك في رحله منهم .
والجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل اللَّه - تعالى - على يوسف حيث ألهمه ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب .
قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : « كذلك كدنا ليوسف » أي : مثل ذلك الكيد العجيب وهو إرشاد الإخوة إلى الإفتاء المذكور . . . دبرنا وصنفنا من أجل يوسف ما يحصل به غرضه . . .
وقوله « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » أي في حكمه وقضائه والكلام استئناف وتعليل لذلك الكيد ، كأنه قيل : لما ذا فعل ؟ فقيل : لأنه لم يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده في دين الملك في أمر السارق إلا بذلك الكيد ، لأن جزاء السارق في دينه أن يضاعف
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 399
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٩٩