تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
وقوله - سبحانه - : * ( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ . . . ) * حكاية لما قاله إخوة يوسف لأبيهم فور التقائهم به . والمراد بالكيل : الطعام المكيل الذي هم في حاجة إليه . والمراد بمنعه : الحيلولة بينهم وبينه في المستقبل ، لأن رجوعهم بالطعام قرينة على ذلك . والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف ، يدرك من السياق والتقدير : ترك إخوة يوسف مصر ، وعادوا إلى بلادهم ، بعد أن وعدوه بتنفيذ ما طلبه منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم ، ودخلوا على أبيهم قالوا له بدون تمهل . * ( يا أَبانا ) * لقد حكم عزيز مصر بعدم بيع أي طعام لنا بعد هذه المرة إذا لم نأخذ معنا أخانا « بنيامين » ليراه عند عودتنا إليه فقد قال لنا مهددا عند مغادرتنا له : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِه فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ . وأنت تعلم أننا لا بد من عودتنا إليه ، لجلب احتياجاتنا من الطعام وغيره ، فنرجوك أن توافقنا على اصطحاب « بنيامين » معنا « وإنا له لحافظون » حفظا تاما من أن يصيبه مكروه . والآية الكريمة واضحة الدلالة على أن قولهم هذا لأبيهم ، كان بمجرد رجوعهم إليه ، وكان قبل أن يفتحوا متاعهم ليعرفوا ما بداخله . . . وكأنهم فعلوا ذلك ليشعروه بأن إرسال بنيامين معهم عند سفرهم إلى مصر ، أمر على أكبر جانب من الأهمية ، وأن عدم إرساله سيترتب عليه منع الطعام عنهم . وقرأ حمزة والكسائي « فأرسل معنا أخانا يكتل » - بالياء - أي : فأرسله معنا ليأخذ نصيبه من الطعام المكال ، لأن عزيز مصر لا يعطى طعاما لمن كان غائبا . وعلى كلا القراءتين فالفعل مجزوم في جواب الطلب . وقالوا له * ( وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * بالجملة الاسمية ، لتأكيد حفظهم له : وأن ذلك أمر ثابت عندهم ثبوتا لا مناص منه . ولكن يبدو أن قولهم هذا قد حرك كوامن الأحزان والآلام في نفس يعقوب ، فهم الذين سبق أن قالوا له في شأن يوسف - أيضا - أَرْسِلْه مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ .