تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
ومن مظاهر هذا التحريض : مدحهم لعزيز مصر الذي رد لهم أثمان مشترياتهم ، وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد ، وتعهدهم بحفظ أخيهم وازدياد الأطعمة بسبب وجوده معهم . ولكن يعقوب - عليه السلام - مع كل هذا التحريض والإلحاح ، لم يستجب لهم إلا على كره منه ، واشترط لهذه الاستجابة ما حكاه القرآن في قوله : * ( قالَ لَنْ أُرْسِلَه مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّه لَتَأْتُنَّنِي بِه إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) * . والموثق : العهد الموثق باليمين ، وجمعه مواثيق . أي : قال يعقوب - عليه السلام - لهم : واللَّه لن أرسل معكم « بنيامين » إلى مصر ، حتى تحلفوا لي باللَّه ، بأن تقولوا : واللَّه لنأتينك به عند عودتنا ، ولن نتخلى عن ذلك ، « إلا أن يحاط بنا » أي : إلا أن نهلك جميعا ، أو أن نغلب عليه بما هو فوق طاقتنا . يقولون : أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك ، وأصله من إحاطة العدو بالشخص ، واستعمل في الهلاك ، لأن من أحاط به العدو يهلك غالبا . وسمى الحلف باللَّه - تعالى - موثقا ، لأنه مما تؤكد به العهود وتقوى وقد أذن اللَّه - تعالى - بذلك عند وجود ما يقتضى الحلف به - سبحانه - . وقوله : « لتأتنني به » جواب لقسم محذوف والاستثناء في قوله « إلا أن يحاط بكم » مفرغ من أعم الأحوال ، والتقدير : لن أرسله معكم حتى تحلفوا باللَّه وتقولوا : واللَّه لنأتينك به معنا عند عودتنا ، في جميع الأحوال والظروف إلا في حال هلاككم أو في حال عجزكم التام عن مدافعة أمر حال بينكم وبين الإتيان به معكم . وقوله * ( فَلَمَّا آتَوْه مَوْثِقَهُمْ ) * أي : فلما أعطى الأبناء أباهم العهد الموثق باليمين بأن أقسموا له بأن يأتوا بأخيهم معهم عند عودتهم من مصر . « قال » لهم على سبيل التأكيد والحض على وجوب الوفاء : اللَّه - تعالى - على ما نقول أنا وأنتم وكيل ، أي : مطلع ورقيب ، وسيجازى الأوفياء خيرا ، وسيجازى الناقضين لعهودهم بما يستحقون من عقاب . قال ابن كثير : « وإنما فعل ذلك ، لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها فبعثه معهم » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما وصى به يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال * ( وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ . . . ) * .