تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
أي قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم لأبيهم معهم : * ( سَنُراوِدُ عَنْه أَباه ) * أي : سنطلب حضوره معنا من أبيه برفق ولين ومخادعة ومحايلة « وإنا لفاعلون » هذه المراودة باجتهاد لا كلل ولا ملل معه وفاء لحقك علينا . وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار أخيهم لأبيهم معهم - وهو « بنيامين » الشقيق الأصغر ليوسف - ، ليس أمرا سهلا أو ميسورا ، وإنما يحتاج إلى جهد كبير مع أبيهم حتى يقنعوه بإرساله معهم . ثم بين - سبحانه - ما فعله يوسف مع إخوته وهم على وشك الرحيل فقال : * ( وقالَ لِفِتْيانِه اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . والفتيان : جمع فتى والمراد بهم هنا من يقومون بخدمته ومساعدته في عمله . والبضاعة في الأصل : القطعة الوفيرة من الأموال التي تقتنى للتجارة ، مأخوذة من البضع بمعنى القطع . والمراد بها هنا : أثمان الطعام الذي أعطاه لهم يوسف - عليه السلام - . والرحال : جمع رحل ، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب . والمعنى : وقال يوسف - عليه السلام - لفتيانه الذين يقومون بتلبية مطالبه : أعيدوا إلى رحال هؤلاء القوم - وهم إخوته - الأثمان التي دفعوها لنا في مقابل ما أخذوه منا من طعام ، وافعلوا ذلك دون أن يشعروا بكم ، لعل هؤلاء القوم عندما يعودون إلى بلادهم ، ويفتحون أمتعتهم ، فيجدون فيها الأثمان التي دفعوها لنا في مقابل ما أخذوه من طعام وغيره . لعلهم حينئذ يرجعون إلينا مرة أخرى ، ليدفعوها لنا في مقابل ما أخذوه . وكأن يوسف - عليه السلام - أراد بفعله هذا حملهم على الرجوع إليه ومعهم « بنيامين » لأن من شأن النفوس الكبيرة أن تقابل الإحسان بالإحسان وأن تأنف من أخذ المبيع دون أن تدفع لصاحبه ثمنه . وقوله * ( لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ ) * تعليل لأمره فتيانه بجعل البضاعة في رحال إخوته . إذ أن معرفتهم بأن بضاعتهم قد ردت إليهم لا يتم إلا بعد انقلابهم - أي رجوعهم - إلى أهلهم ، وبعد تفريغها عندهم . وقوله « لعلهم يرجعون » جواب للأمر . أي : اجعلوها كذلك ، لعلهم بعد اكتشافهم أنهم ما دفعوا لنا ثمن ما أخذوه ، يرجعون إلينا ليدفعوا لنا حقنا . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عما دار بين يوسف وإخوته بعد أن دخلوا عليه