والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه في غيابة الجب ، ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا .
وفي هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى .
قالوا : وفي هذا الرأي عبرة في الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم . وهذا الإبعاد يتم عن طريق إلقائه في غيابة الجب .
ثم حكى - سبحانه - محاولاتهم مع أبيهم ، ليأذن لهم بخروج يوسف معهم فقال :
* ( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وإِنَّا لَه لَناصِحُونَ ، أَرْسِلْه مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * .
أي : قال إخوة يوسف لأبيهم - محاولين استرضاءه لاستصحاب يوسف معهم - : يا أبانا « مالك لا تأمنا على يوسف » أي : أي شيء جعلك لا تأمنا على أخينا يوسف في خروجه معنا ، والحال أننا له ناصحون ، فهو أخونا ونحن لا نريد له إلا الخير الخالص ، والود الصادق .
وفي ندائهم له بلفظ « يا أبانا » استمالة لقلبه ، وتحريك لعطفه ، حتى يعدل عن تصميمه على عدم خروج يوسف معهم .
والاستفهام في قولهم « مالك لا تأمنا . . » للتعجيب من عدم ائتمانهم عليه مع أنهم إخوته ، وهو يوحى بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك في اصطحابه معهم ولكنها جميعا باءت بالفشل .
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم * ( أَرْسِلْه مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ . . ) * .
والرتع والرتوع هو الاتساع في الملاذ والتنعم في العيش ، يقال : رتع الإنسان في النعمة إذا أكل ما يطيب له ورتعت الدابة إذا أكلت حتى شبعت ، وفعله كمنع والمراد باللعب هنا الاستجمام ورفع السآمة ، كالتسابق عن طريق العدو ، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة المباحة .
أي : أرسله معنا غدا ليتسع في أكل الفواكه ونحوها ، وليدفع السآمة عن نفسه عن طريق القفز والجري والتسابق معنا .
* ( وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * . كل الحفظ من أن يصيبه مكروه ، أو يمسه سوء .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 326
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٢٦