تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
والمعنى : لقد بالغ أبونا في تفضيل يوسف وأخيه علينا ، مع أننا أولى بذلك منهما وما دام هو مصرا على ذلك ، فالحل أن تقتلوا يوسف ، أو أن تلقوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا . قال الآلوسي : « وحاصل المعنى : اقتلوه أو غربوه ، فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود ، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين ، فإن الغربة كربة أية كربة ، ولله - تعالى - در القائل :
حسنوا القول وقالوا غربة إنما الغربة للأحرار ذبح
وجملة « يخل لكم وجه أبيكم » جواب الأمر . والخلو : معناه الفراغ . يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء ، إذا لم يكن به أحد . والمعنى : اقتلوا يوسف أو اقذفوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت ، فإنكم إن فعلتم ذلك ، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد ، فيقبل عليكم بكليته ، ويكون كل توجهه إليكم وحدكم ، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف . قال صاحب الكشاف : « يخل لكم وجه أبيكم » أي : يقبل عليكم إقبالة واحدة ، لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها ، وينازعهم إياها ، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم ، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه . . . » « 1 » . وقوله : * ( وتَكُونُوا مِنْ بَعْدِه قَوْماً صالِحِينَ ) * معطوف على جواب الأمر . أي : وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه في أرض بعيدة ، قوما صالحين في دينكم ، بأن تتوبوا إلى اللَّه بعد ذلك فيقبل اللَّه توبتكم ، وصالحين في دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التي كان يثيرها وجود يوسف بينكم . وهكذا النفوس عندما تسيطر عليها الأحقاد ، وتقوى فيها رذيلة الحسد ، تفقد تقديرها الصحيح للأمور ، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه ، وتصور الصغائر في صورة الكبائر ، والكبائر في صورة الصغائر . فإخوة يوسف هنا ، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم ، يستحق إزهاق روح الأخ . وفي الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة شيء هين ، في الإمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم ، وأمام أبيهم ، وأمام أنفسهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 305 .