تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وقوله - سبحانه - * ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ، وأَلْقُوه فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْه بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) * بيان للرأي الذي اقترحه أحدهم ، واستقر عليه أمرهم . قال القرطبي ما ملخصه : قوله * ( وأَلْقُوه فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ) * قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة « في غيابة الجب » بالإفراد - وقرأ أهل المدينة « في غيابات الجب » - بالجمع - . وكل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة - قال الشاعر :
فإن أنا يوما غيبتني غيابتى فسيروا بسيرى في العشيرة والأهل
والجب : الركية - أي الحفرة - التي لم تطو - أي لم تبن بالحجارة - فإذا طويت فهي بئر . وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا . وجمع الجب جببة وجباب وأجباب . وجمع بين الغيابة والجب ، لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين . . . » « 1 » . والسيارة : جمع سيار ، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون في السير ليصلوا إلى مقصودهم . والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفزعه ما هم مقدمون عليه بشأن أخيهم الصغير : لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه في قعر الجب حيث يغيب خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم . ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل « يهوذا » . والفائدة في وصفه بأنه منهم ، الإخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه في أرض بعيدة حتى يدركه الموت . وأتى باسم يوسف دون ضميره . لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام أمر قتله . وجواب الشرط في قوله « إن كنتم فاعلين » محذوف لدلالة « وألقوه » عليه .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 9 ص 132 .