تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
لأصنامهم إنما هي تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل ، وهذه العبادة لغير اللَّه - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم . والخطاب وإن كان للرسول صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التسلية والتثبيت ، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب . وهذا الأسلوب كثيرا ما يكون أوقع في النفس ، وأشد تأثيرا في القلب ، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه اللَّه - تعالى - لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التي لا تحتاج إلى جدال مع أحد ، ومن جادل فيها فإنما يجادل في الحق الواضح بدافع الحسد والعناد ، لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه اللَّه - تعالى - لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم . وجملة * ( ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) * مستأنفة ، لبيان أن الخلف قد ساروا في الجهالة والجحود على طريقة السلف . وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع ، مع أنها كانت في الماضي بقرينة * ( مِنْ قَبْلُ ) * . للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم ، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها ، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين بدون تفكر أو تدبر . والمضاف إليه في قوله * ( مِنْ قَبْلُ ) * محذوف ، والتقدير : من قبلهم . وقوله * ( وإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) * تذييل قصد به تأكيد العقاب الذي ينزل بهم في الآخرة بسبب عبادتهم لغير اللَّه . وموفوهم من التوفية ، وهي إعطاء الشيء كاملا بدون نقص . والمراد بالنصيب هنا : المقدار المعد لهم من العذاب ، وسماه نصيبا على سبيل التهكم بهم . أي : وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم في عبادة غير اللَّه ، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شيء منه ، كما ساروا هم على طريقة سلفهم في الضلال دون أن يغيروا شيئا منها . . . ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا : ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنيوية والأخروية . قال صاحب المنار : أي ، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شيء ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبرّ الوالدين وصلة الأرحام . . . إلا ويوفيهم اللَّه جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق ، وكشف الضر جزاء تاما ، لا ينقصه شيء يجزون عليه في الآخرة . . . » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 12 ص 162 .