تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
أي : وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه ، وهذا الشك قد أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب . وهذا شأن المعرضين عن الحق ، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره ، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه ، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق . وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله * ( وإِنَّهُمْ ) * إلى قوم موسى ، وفي قوله * ( مِنْه ) * إلى كتابهم التوراة . وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي صلى اللَّه عليه وسلم والثاني إلى القرآن الكريم . والذي يبدو لنا أن الرأي الأول أظهر في معنى الآية ، لأن الكلام في موسى - عليه السلام وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا ، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول . وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول صلى اللَّه عليه وسلم كانوا في شك من القرآن ، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة . فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما قاله بعض المشركين في شأن القرآن الكريم . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب ، الشاكين في صدقه ، سوف يجمعهم اللَّه - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - * ( وإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّه بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . وقد وردت في هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة « 1 » منها : قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد ، إن ولما ، وقد قيل في تخريجها : إن لفظ ، * ( كُلًّا ) * ، اسم * ( إِنَّ ) * ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه ، واللام في ، * ( لَمَّا ) * ، هي الداخلة في خبر * ( إِنَّ ) * وما بعد اللام هو حرف « من » الذي هو من حروف الجر ، و « ما » موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل ، فيكون تقدير الكلام : وإن كلا « لمن ما » ، فقلبت النون ميما للإدعام فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت واحدة منها للتخفيف ، فصارت « لما » والجار والمجرور خبر * ( إِنَّ ) * ، واللام في * ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) * ، جواب قسم مضمر ، والجملة صلة أو صفة * ( لَمَّا ) * . والتقدير : وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق اللَّه الذين هم بحق ربك
هامش
( 1 ) لمعرفة هذه القراءات راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 426 وتفسير الآلوسي ج 12 ص 133 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 283 | سيد محمد طنطاوي