تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
خالدين ، وتكون ما بمعنى من ، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد ، فكان ذلك مخصصا لكل عموم . ( ج ) أن الاستثناء من الزفير والشهيق ، أي لهم فيها زفير وشهيق * ( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) * من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق . . . » « 1 » . ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح الآراء ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) * أي فهو إن شاء غير ذلك فعله ، وإن شاء ذلك فعله ، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن . وجاء - سبحانه - بصيغة المبالغة * ( فَعَّالٌ ) * للإشارة إلى أنه - سبحانه - لا يتعاصى عليه فعل من الأفعال بأي وجه من الوجوه . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة السعداء فقال : * ( وأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ) * أي في الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم في الدنيا ، * ( فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) * . أي : عطاء منه - سبحانه - لهم غير مقطوع عنهم ، يقال : جذ الشيء يجذه جذا ، أي : كسره وقطعه ، ومنه الجذاذ - بضم الجيم - لما تكسر من الشيء كما في قوله - تعالى - حكاية عما فعله إبراهيم - عليه السلام - بالأصنام فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ . . . وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء والأشقياء ، تفصيلا يدعو العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء ، وأن يتجنبوا طريق الأشقياء . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من قومه من أذى ، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين ، وما فيه إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير ، ويبعدهم عن الشر فقال - تعالى - : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 108 إلى 115 ] وأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 ) ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيه ولَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْه مُرِيبٍ ( 110 ) وإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّه بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَنْ تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إِنَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) واصْبِرْ فَإِنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 )
هامش
( 1 ) راجع تفسير الشوكاني ج 2 ص 525 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 279 | سيد محمد طنطاوي