تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد ، إنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء منها . وفي الآية الكريمة توكيدات متنوعة ، حتى لا يشك في نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل ، وحتى لا يشك أحد - أيضا - في أن ما عليه المشركون هو الباطل الذي لا يعرفه الحق ، وأنه الكفر الذي تلقاه الخلف عن السلف . وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية في تلك الفترة التي نزلت فيها هذه السورة - وهي فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة - يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين ، وتوهينا للشرك والمشركين . قال الإمام الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات : أولها : كلمة « إن » وهي للتأكيد ، وثانيها كلمة « كل » وهي أيضا للتأكيد ، وثالثها : اللام الداخلة على خبر « إن » وهي تفيد التأكيد - أيضا - ، ورابعها حرف « ما » إذا جعلناه على قول الفراء موصولا ، وخامسها : القسم المضمر فإن تقدير الكلام : وإن جميعهم واللَّه ليوفينهم : وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم ، وسابعها : النون المؤكدة في قوله « ليوفينهم » . فجميع هذه المؤكدات السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق . . . » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم وأتباعه بالتزام الصراط المستقيم فقال - سبحانه - : * ( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَنْ تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إِنَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * . والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهي . والاستقامة - كما يقول القرطبي - هي الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال . . . » « 2 » . والطغيان : مجاوزة الحد . ومنه طغى الماء ، أي ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة . والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء ، وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 70 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 9 ص 136 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284 | سيد محمد طنطاوي