تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الإمام « السكاكي » فقد أطال وأطنب في كتابه « المفتاح » في الحديث عنها . فقد قال - عليه الرحمة - في بحث البلاغة والفصاحة : وإذ قد وقفت على البلاغة ، وعثرت على الفصاحة ، فأذكر لك على سبيل الأنموذج ، آية أكشف لك فيها من وجوههما ما عسى أن يكون مستورا عنك ، وهذه الآية هي قوله - تعالى - * ( وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، ويا سَماءُ أَقْلِعِي ، وغِيضَ الْماءُ ، وقُضِيَ الأَمْرُ . . . ) * . والنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني ، ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية . أما النظر فيها من جهة علم البيان . . فتقول : إنه - عز سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك : بنى الكلام على التشبيه ، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه أن يعصى أمره . . وكأنهما عقلاء مميزون فقال : * ( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، ويا سَماءُ أَقْلِعِي . . . ) * ثم قال : * ( ماءَكِ ) * بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك . ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإقلاع الذي هو ترك الفاعل للفعل . وأما النظر فيها من حيث علم المعاني . . . فذلك أنه اختير * ( يا ) * دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر في الاستعمال . . . واختير لفظ « ابلعي » على « ابتلعى » لكونه أخصر . ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه ، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى . نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها ، وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها ، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ما ترى عربية ، مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة من التنافر ، بعيدة عن البشاعة . ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت ، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسير القاسمي ج 9 ص 3446 وتفسير المنار ج 12 ص 90 .