تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وعبر عن العذاب بأمر اللَّه ، تهويلا لشأنه . وقوله : * ( وحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) * بيان للعاقبة السيئة التي آل إليها أمر الابن الكافر . أي : وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه ، فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين . والتعبير بقوله : * ( وحالَ . . . ) * يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده ، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما . والتعبير بقوله : * ( فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) * يشير إلى أنه لم يغرق وحده ، وإنما غرق هو وغرق معه كل من كان على شاكلته في الكفر . وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات في تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة ، التي يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم . وبعد أن غرق الكافرون ، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين ، وجه اللَّه - تعالى - أمره إلى الأرض وإلى السماء . . فقال : * ( وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، ويا سَماءُ أَقْلِعِي وغِيضَ الْماءُ ، وقُضِيَ الأَمْرُ ، واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * . أي : وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر اللَّه - تعالى - الكافرين ، قال اللَّه - تعالى - للأرض : * ( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) * . أي : اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء ، وابتلعيه بسرعة في باطنك كما يبتلع الإنسان طعامه في بطنه بدون استقرار في الفم . وقال - سبحانه - للسماء * ( ويا سَماءُ أَقْلِعِي ) * أي : أمسكى عن إرسال المطر يقال : أقلع فلان عن فعله إقلاعا ، إذا كف عنه وترك فعله . ويقال : أقلعت الحمى عن فلان ، إذا تركته . فامتثلتا - أي الأرض والسماء - لأمر اللَّه - تعالى - في الحال ، فهو القائل وقوله الحق : إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . وقوله * ( وغِيضَ الْماءُ ) * أي : نقص ونضب . يقال : غاض الماء يغيض ، إذا قل ونقص .
هامش
( 1 ) سورة يس الآية 82 .