تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
أي : وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية . قال الآلوسي بعد أن ساق أقوالا في عدد من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه : . . . والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين : زوجته ، وبنوه الثلاثة ونساؤهم ، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم . . . » « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال : * ( وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّه مَجْراها ومُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . ومجريها ومرساها ، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما ، وهما مصدران من جرى وأرسى . والباء في باسم اللَّه للملابسة ، والآية الكريمة معطوفة على جملة ، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين . أي : قلنا له ذلك فامتثل أمرنا ، وقال لمن معه من المؤمنين : سلموا أمركم لمشيئة اللَّه - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة : باسم اللَّه جريها في هذا الطوفان العظيم ، وباسم اللَّه إرساءها في المكان الذي يريد اللَّه - تعالى - إرساءها فيه . قال الشيخ الفاضل ابن عاشور : وعدى فعل * ( ارْكَبُوا ) * بفي ، جريا على الأسلوب الفصيح ، فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها . وأما ركوب الفلك فيعدى بفي ، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار ، فلا يقال : ركب السفينة فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهي تفرقة حسنة » « 2 » . وجملة * ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) * تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر اللَّه - تعالى - : أي : إن ربي لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له مخلصا في عبادته . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول اللَّه - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة * ( ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّه مَجْراها ومُرْساها . . ) * . وقال - سبحانه - في موضع آخر : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ ومَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور : عند الركوب في السفينة وعلى الدابة . فقد روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أمان أمتي من الغرق إذا
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 12 ص 50 . ( 2 ) تفسير سورة هود ص 73 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 207 | سيد محمد طنطاوي