تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
بحقيقة أمره فقال : * ( ولا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّه ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ولا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ . . ) * . والخزائن : جمع خزانة - بكسر الخاء - وهو المكان الذي يخزن فيه المال أو الطعام أو غيرهما خشية الضياع ، والمراد منها هنا : أنواع رزقه - سبحانه - التي يحتاج إليها عباده ، وأضيفت إليه - سبحانه - لاختصاصه بها . وملكيته لها . أي : إني لا أقول لكم إن النبوة التي وهبني اللَّه إياها ، تجعلني أملك خزائن أرزاقه - سبحانه - فأصير بذلك من الأثرياء ، وأعطى من أشاء بغير حساب . . . كلا . إني لا أملك شيئا من ذلك ، وإنما أنا عبد اللَّه ورسوله ، أرسلني لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . وهذه الجملة الكريمة رد على قولهم السابق ! * ( وما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) * . وأيضا لا أقول لكم إني أعلم الغيوب التي اختص اللَّه بعلمها ، فأدعى قدرة ليست للبشر ، أو أزعم أن لي صلة باللَّه - تعالى - غير صلة النبوة - أو أدعى الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند اللَّه ، كما ادعيتم أنتم فقلتم * ( وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . . ) * . وأيضا فإني لا أقول لكم إني ملك ، بل أنا بشر مثلكم آكل مما تأكلون منه ، وأشرب مما تشربون منه ، إلا أن اللَّه - تعالى - اختصني من بينكم بالنبوة ، والبشرية مقتض للنبوة وليست مانعا منها - كما تزعمون - حيث قلتم * ( ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ) * . ولم يكتف نوح - عليه السلام - بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة ، بل أضاف إلى ذلك - كما حكى القرآن عنه - * ( ولا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّه خَيْراً ، اللَّه أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ ، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) * . وقوله : * ( تَزْدَرِي ) * من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص ، يقال : ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه . أي : أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن اللَّه ، أو بأنى أعلم الغيب ، أو بأنى ملك من الملائكة ، ولا أقول لكم - أيضا - في شأن الذين تنظرون إليهم نظر احتقار واستصغار : إنهم - كما تزعمون - * ( لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّه خَيْراً ) * يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم ، بل أقول لكم إنه - سبحانه - سيؤتيهم ذلك - إذا شاء - لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما في نفوسهم من خير أو شر - أما أنا فلا علم لي إلا بظواهرهم التي تدل على إيمانهم وإخلاصهم و * ( إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) * لنفسي ولغيري إذا ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوى .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 196 | سيد محمد طنطاوي