تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وعلى هذه القراءة التي وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإشارة إلى الرسول - صلى اللَّه عليه وسلم . وقرأ الباقون : إن هذا لسحر مبين أي : إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه خارق للعادة في جذبه النفوس إلى الايمان بما جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم . قال أبو حيان ما ملخصه : « ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهي مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التي أعجزتهم . . . وقولهم هذا هو دين الكفرة مع أنبيائهم . فقد قال فرعون وقومه في موسى - عليه السلام - إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات * ( هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ) * ودعوى السحر إنما هي على سبيل العناد والجحد » « 1 » . وقال الآلوسي « وفي قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر ، نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا في العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج ، وشنشنة المفحم المحجوج » « 2 » . وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب ؟ فكان الجواب : * ( قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ) * . ويرى الإمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقد قال : - رحمه اللَّه - : « وفي الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحي اللَّه وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد اللَّه ورسالة رسوله إن هذا الذي جاءنا به محمد صلى اللَّه عليه وسلم لسحر مبين » « 3 » . وقد اشتملت جملة * ( إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ) * على جملة من المؤكدات ، للإشارة إلى رسوخهم في الكفر ، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق اللَّه إذ يقول : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّه يَجْحَدُونَ .
هامش
( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 5 ص 123 - طبعة مطبعة السعادة سنة 1338 ه . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 63 . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 11 ص 60 طبعة بولاق سنة 1327 ه .