تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم . إنما هو بسبب صدقهم في أقوالهم وأفعالهم ونياتهم . قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل في معنى قوله : * ( قَدَمَ صِدْقٍ ) * فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح . . وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة . وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم شفيع لهم . ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه : أن لهم أعمالا صالحة عند اللَّه يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكي عن العرب قولهم : هؤلاء أهل القدم في الإسلام . أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان لهم فيه تقديم . ويقال : لفلان عندي قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر ، ومنه قول حسان بن ثابت - رضى اللَّه عنه - :
لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة اللَّه تابع « 1 »
ومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه صلى اللَّه عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية . إن الذي يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن اللَّه - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من غيره ، هو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته . قال صاحب الكشاف : « فإن قلت : فما معنى اللام في قوله * ( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) * وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا ؟ قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها . ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم . وليس في « عند الناس » هذا المعنى . والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر . وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم . فقد كانوا يقولون : العجب أن اللَّه لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب . وأن يذكر لهم البعث . وينذر بالنار ويبشر بالجنة . وكل واحد من هذه الأمور ليس
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 58 . طبعة دار المعرفة ببيروت .