تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا اللَّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً . . . ) * الآية « 1 » . والهمزة في قوله « أكان » لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه في غير موضعه . وقوله * ( لِلنَّاسِ ) * جار ومجرور حال من قوله * ( عَجَباً ) * والمراد بهم مشركو مكة ومن لف لفهم في إنكار ما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله : * ( عَجَباً ) * خبر كان ، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفى سببه . وقوله : * ( أَنْ أَوْحَيْنا ) * في تأويل مصدر أي : إيحاؤنا ، وهو اسم كان . والوحي : الإعلام في خفاء ، والمقصود به ما أوحاه اللَّه - تعالى - إلى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من قرآن وغيره . وقوله : * ( إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) * أي إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه . وقوله : * ( أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) * الإنذار إخبار معه تخويف في مدة تتسع التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب اللَّه - تعالى - : والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه صلى اللَّه عليه وسلم أن يبلغهم دعوته . وقوله : * ( وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ) * البشارة : إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر ، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التي هي ظاهر الجلد . وقوله : * ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * أي أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم . وأصل القدم العضو المخصوص . وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد . وأصل الصدق أن يكون في الأقوال ، ويستعمل أحيانا في الأفعال فيقال : فلان صدق في القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل . وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ، والأصل قدم صدق . أي محققة مقررة . وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق . ثم جعل الصدق كأنه صاحبها . ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، وفي ذلك
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 406 طبعة عيسى الحلبي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 16 | سيد محمد طنطاوي