تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
والمعنى : إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون ، فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لدعوتك ، إلا العذاب الذي نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك ؟ فالاستفهام للتهكم والتقريع . وقوله : * ( قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) * أمر من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يستمر في تهديدهم ووعيدهم . أي : قل - يا محمد - لهؤلاء الجاحدين للحق الذي جئت به : إذا فانتظروا العذاب الذي نزل بالسابقين من أمثالكم ، إني معكم من المنتظرين لوعد ربي لي ، ولوعيده لكم . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل فقال : * ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) * . والجملة الكريمة عطف على محذوف ، والتقدير : تلك سنتنا في خلقنا نهلك الأمم المكذبة * ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا ) * الذين أرسلناهم لإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وننجي - أيضا - الذين آمنوا برسلنا وصدقوهم وقوله * ( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) * الكاف في * ( كَذلِكَ ) * بمعنى : مثل ، وهي صفة لمصدر محذوف ، واسم الإشارة يعود على الإنجاء الذي تكفل اللَّه به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ * ( حَقًّا ) * منصوب بفعل مقدر أي : حق ذلك علينا حقا أي : مثل ذلك الإنجاء الذي تكفلنا به لرسلنا ولمن آمن بهم ، ننج المؤمنين بك - أيها الرسول الكريم - ، ونعذب المصرين على تكذيبك ، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما . سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا « 1 » وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس - عليه السلام - لكي ينجوا من العذاب ، وذكرتهم بنفاذ إرادة اللَّه وقدرته ، ودعتهم إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض ، وأخبرتهم بأن سنة اللَّه ماضية في إنجاء المؤمنين ، وفي إهلاك المكذبين . وبعد هذا الحديث المتنوع الذي زخرت به سورة يونس - عليه السلام - عن وحدانية اللَّه وقدرته ، وعن صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وعن النفس الإنسانية وأحوالها ، وعن يوم القيامة وأهوالها . . . بعد كل ذلك وجهت في ختامها نداءين إلى الناس أمرتهم فيهما بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - وبالاعتماد عليه وحده ، وبتزكية نفوسهم . . .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء الآية 77 .