تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
ولما كان التأمل في ملكوت السماوات والأرض ، يعين على التفكير السليم ، وعلى استعمال العقل فيما يهدى إلى الحق والخير ، أمر اللَّه - تعالى - الناس بالنظر والاعتبار فقال - سبحانه - : * ( قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ والأَرْضِ . . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لقومك : انظروا وتأملوا وتفكروا فيما اشتملت عليه السماوات من شموس وأقمار ، وكواكب ونجوم ، وسحاب وأمطار . . . وفيما اشتملت عليه الأرض من زروع وأنهار ، ومن جبال وأشجار ، ومن حيوانات ودواب متنوعة . انظروا إلى كل ذلك وتفكروا ، فإن هذا التفكر يهدى أصحاب العقول السليمة إلى أن لهذا الكون إلها واحدا عليما قديرا ، هو وحده المستحق للعبادة والطاعة . وقوله : * ( وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) * توبيخ للغافلين عن النظر السليم الذي يؤدى إلى الهداية . و * ( ما ) * نافية ، والمراد بالآيات : ما أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك بقوله : * ( ما ذا فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ) * والنذر : جمع نذير ، وهو من يخبر غيره بأمر مخوف حتى يحذره . والمعنى : انظروا وتفكروا واعتبروا بما في السماوات والأرض من آيات بينات دالة على وحدانية الخالق وقدرته . . ومع ذلك فإن الآيات مهما اتضحت ، والنذر مهما تعددت ، لا تجدى شيئا ، بالنسبة لمن تركوا الإيمان ، وأصروا على الجحود والعناد . ويجوز أن تكون * ( ما ) * للاستفهام الإنكارى ، فيكون المعنى وأي شيء تجدى الآيات السماوية والأرضية ، والنذر بحججها وبراهينها ، أمام قوم جاحدين معاندين ، قد استحبوا الكفر على الإيمان ؟ . ثم ساق - سبحانه - للمكذبين برسوله صلى اللَّه عليه وسلم تهديدا يخلع قلوبهم فقال : * ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ، قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) * . قال القرطبي : « الأيام هنا بمعنى الوقائع ، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم قال قتادة : يعنى وقائع اللَّه في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما ، كقوله - تعالى - وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه ، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 386 .