تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة ، وإنذارهم من سوء عاقبة الإصرار على الكفر والجحود ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم إيمانهم . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم تسلية أخرى فقال : * ( ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً . . . ) * ومفعول المشيئة محذوف والتقدير : ولو شاء ربك - يا محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأنه مخالف للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع ، والإثابة والمعاقبة ، فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يخلق الكفر والإيمان ، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإيمان ، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره ، ومن آمن فله ثواب إيمانه . والهمزة في قوله - سبحانه - * ( أَفَأَنْتَ تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) * للاستفهام الإنكارى ، والفاء للتفريع . والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم . والمعنى : تلك هي مشيئتنا لو أردنا إنفاذها لنفذناها ، ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد في وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد اللَّه هدايتهم على الإيمان ؟ . لا ، ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعا ، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه . وفي هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ودفع لما يضيق به صدره ، من إعراض بعض الناس عن دعوته . وقوله - سبحانه - * ( وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه . . . ) * تأكيد لما اشتملت عليه الآية السابقة من قدرة نافذة للَّه - تعالى - أي : وما صح وما استقام لنفس من الأنفس ، أن تؤمن في حال من الأحوال ، إلا بإذن اللَّه « أي : إلا بإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته . وقوله : * ( ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) * . معطوف على محذوف يدل عليه الكلام السابق دلالة الضد على الضد ، والرجس : يطلق على الشيء القبيح المستقذر . والمعنى : وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن اللَّه ، فيأذن لمن يشاء من تلك الأنفس بالإيمان ، ويجعل الرجس أي الكفر وما يترتب عليه من عذاب على القوم الذين لم يستعملوا عقولهم فيما يهدى إلى الحق والخير ، بل استعملوها فيما يوصل إلى الأباطيل والشرور .