تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
حقا ، والحق باطلا ، وتؤثر العذاب وهي سادرة في باطلها ، على الخضوع للحق والمنطق والصواب . ثم تعقب السورة على هذا الدعاء الغريب الذي حكته عن مشركي مكة ، فتبين الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم فتقول : * ( وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ، وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * . أي : وما كان اللَّه مريدا لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذيب استئصال وإهلاك ، وأنت مقيم فيهم - يا محمد - بمكة ، فقد جرت سنته - سبحانه - ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب الكافرين . واللام في قوله * ( لِيُعَذِّبَهُمْ ) * لتأكيد النفي ، وللدلالة على أن تعذيبهم والرسول صلى اللَّه عليه وسلم بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة . والمراد بالاستغفار في قوله : * ( وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * استغفار من بقي بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنون . أي : ما كان اللَّه مريدا لتعذيبهم وأنت فيهم - يا محمد - وما كان - أيضا - مريدا تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين المستضعفين من يستغفر اللَّه ، وهم الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك في المدينة . قالوا : ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله - تعالى - في آية أخرى : لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 1 » أي : لو تميز المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما . وأسند - سبحانه - الاستغفار إلى ضمير الجميع ، لوقوعه فيما بينهم ، ولتنزيل ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل . كما يقال : قتل أهل بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم . ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور : استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم : غفرانك . في طوافهم بالبيت ، أو ما يشبه ذلك من معاني الاستغفار وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه - سبحانه - يكون مانعا من عذابه ولو كان هذا الطلب صادرا من الكفرة . ويرجح ابن جرير أن المراد بقوله : * ( وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * نفى الاستغفار عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : تأويله وما كان اللَّه ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد ، وبين أظهرهم مقيم ، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأنى لا أهلك قرية وفيها نبيها ، وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم ، ولكنهم
هامش
( 1 ) سورة الفتح الآية 25 .