تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله - تعالى - * ( واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * . ومكر مذموم ، وهو أن يتحرى بمكره فعلا قبيحا ، ومنه قوله - تعالى - * ( وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . ) * وقال - سبحانه وتعالى - في الأمرين : ومَكَرُوا مَكْراً ومَكَرْنا مَكْراً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ « 1 » . وقوله : « ليثبتوك » أي ليحبسوك . يقال أثبته إذا حبسته . والمعنى : واذكر - يا محمد - وقت أن نجيتك من مكر أعدائك ، حين تآمروا عليك وأنت بين أظهرهم في مكة ، لكي * ( لِيُثْبِتُوكَ ) * أي : يحبسوك في دارك ، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن دعوتهم إلى الدين الحق * ( أَوْ يَقْتُلُوكَ ) * بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم في النسب ، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة . . * ( أَوْ يُخْرِجُوكَ ) * أي : من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك . وقوله : * ( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * بيان لموضع النعمة والمنة ، أي : والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السيئ ، واللَّه - تعالى - يرد مكرهم في نحورهم ، ويحبط كيدهم ، ويخيب سعيهم ، ويعاقب عليه عقابا شديدا ، ويدبر أمرك وأمر أتباعك ، ويحفظكم من شرورهم ، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين . وأعظمهم تأثيرا ، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع . قال الآلوسي : قوله * ( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه ) * أي : برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم ، أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين ، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد . * ( واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره - سبحانه - . وإطلاق هذا المركب الإضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكره - سبحانه - أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل ، لأن لمكر الغير - أيضا - نفوذا أو تأثيرا في الجملة . . وإن كان باعتبار أنه - سبحانه - لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به ، فلا شركة لمكر الغير فيه ، وتكون الإضافة حينئذ للاختصاص ، لانتفاء المشاركة . . » « 2 » . هذا والصورة التي يرسمها قوله - تعالى - : * ( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه ) * صورة عميقة التأثير ، ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون ، واللَّه من روائهم محيط ، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون .
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن ص 471 للراغب الأصفهاني - بتصريف يسير . [ . . . ] ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 198 .