تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وقد بسط هذا المعنى الإمام الرازي فقال ما ملخصه : فإن قيل : أليس قوله : * ( ويُرِيدُ اللَّه أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِه ) * ثم قوله بعد ذلك : * ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ ) * تكرارا محضا ، فالجواب : ليس هاهنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين ، كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله * ( ويُبْطِلَ الْباطِلَ ) * الذي هو الشرك ، وذلك في مقابلة * ( الْحَقَّ ) * الذي هو الدين والإيمان « 1 » . وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا في الأربع الآيات الأولى منها عن حكم اللَّه - تعالى - في غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين في شأنها ، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من اللَّه - تعالى - أرفع الدرجات . ثم حدثتنا في الأربع الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عندما دعاهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى قتال أعدائهم ، وعن مجادلتهم له في ذلك ، وعن إيثارهم المال على القتال ، وعن إرادة ما هو خير لهم في دنياهم وآخرتهم ، وفي ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون . ثم ساق - سبحانه - بعض مظاهر تدبيره المحكم في هذه الغزوة ، وبعض النعم التي أنعم بها على المؤمنين ، وبعض البشارات التي تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها ، والتي كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال - تعالى - : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 9 إلى 14 ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِه قُلُوبُكُمْ ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْه ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِه الأَقْدامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْناقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه ورَسُولَه ومَنْ يُشاقِقِ اللَّه ورَسُولَه فَإِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ذلِكُمْ فَذُوقُوه وأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 )
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 128 .