تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وروى ابن إسحاق في سيرته أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني « 1 » . فإن قيل : إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلما ذا أسندها القرآن إلى المؤمنين ؟ فالجواب : أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه صلى اللَّه عليه وسلم ويتأسون به في الدعاء ، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، لأنه هو قائد المؤمنين ، وهو الذي يحرص الرواة على نقل دعائه ، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه . وقيل : إن الضمير في قوله * ( تَسْتَغِيثُونَ ) * للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وجئ به مجموعا على سبيل التعظيم ، ويعكر على هذا القيل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه ، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التي أنعم بها - سبحانه - عليهم . وعبر - سبحانه - بالمضارع * ( تَسْتَغِيثُونَ ) * مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال الماضية ، حتى يستمروا على شكرهم للَّه ، ولذلك عطف عليه . فاستجاب لكم ، بصيغة الماضي مسايرة للواقع . وكان العطف بالفاء للإشعار بأن إجابة دعائهم كانت في أعقاب تضرعهم واستغاثتهم وهذا من فضل اللَّه عليهم ، ورحمته بهم ، حيث أجارهم من عدوهم ، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا . والسين والتاء في قوله : « تستغيثون » للطلب ، أي : تطلبون منه الغوث بالنصر . فإن قيل : إن اللَّه - تعالى - ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة ، وذكر في سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما ؟ . فالجواب أن اللَّه - تعالى - أمد المؤمنين بألف من الملائكة في يوم بدر ، كما بين هنا في سورة الأنفال ، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال - تعالى - في سورة آل عمران : ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ . . . ، ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف ، قال - تعالى - بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير النار ج 9 ص 556 مطبعة دار المنار ، الطبعة الثانية سنة 1967 ه . ( 2 ) سورة آل عمران الآيات من 123 - 125 .