تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
قوله : * ( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ) * . فيه وجهان أحدهما : أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذه الحال كحال إخراجك . يعنى أن حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيل الغزوة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب . والثاني : أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر في قوله : الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ أي : الأنفال استقرت للَّه والرسول ، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون « 1 » . والوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما صاحب الكشاف هو الذي نميل إليه ، وهو الذي ذكرناه قبل ذلك بصورة أكثر تفصيلا . وأضاف - سبحانه - الإخراج إلى ذاته فقال : * ( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ) * للإشعار بأن هذا الإخراج كان بوحي منه - سبحانه - وبأنه هو الراعي له في هذا الخروج . والمراد بالبيت في قوله : * ( مِنْ بَيْتِكَ ) * مسكنه صلى اللَّه عليه وسلم بالمدينة أو المراد المدينة نفسها ، لأنها مثواه ومستقره ، فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه . وقوله : * ( بِالْحَقِّ ) * متعلق بقوله : * ( أَخْرَجَكَ ) * والباء للسببية ، أي : أخرجك بسبب نصرة الحق ، وإعلاء كلمة الدين ، وإزهاق باطل المبطلين . ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من مفعول أخرجك ، وتكون الباء للملابسة ، أي : أخرجك إخراجا متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل . قال الآلوسي : وقوله : * ( وإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ) * ، أي : للخروج ، إما لعدم الاستعداد للقتال ، أو للميل للغنيمة ، أو للنفرة الطبيعية عنه ، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار ، فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة . والجملة في موضع الحال ، وهي حال مقدرة لأن الكراهة وقعت بعد الخروج « 2 » . والمعنى الإجمالي للآية الكريمة : حال بعض المسلمين في بدر في كراهة قسمة الغنيمة بالسوية بينهم ، مثل حال فريق منهم في كراهة الخروج للقتال ، مع أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال ، كان فيهما الخير لهم ، إذ الخير فيما قدره اللَّه وأراده ، لا فيما يظنون . وقوله - تعالى - : * ( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وهُمْ يَنْظُرُونَ ) * حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال ، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 196 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 170 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 39 | سيد محمد طنطاوي