تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
ثم قال : وقد تقدم في تفسير قوله - تعالى - وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أنه صلى اللَّه عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا . وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم . وروى الحافظ بن عساكر عن أبي الدرداء ، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه ، والنفاق ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « اللهم اجعل له لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وارزقه حبى ، وحب من يحبني ، وصير أمره إلى خير » . فقال الرجل يا رسول اللَّه : إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم ، أفلا آتيك بهم ؟ فقال : صلى اللَّه عليه وسلم : « ومن أتانا استغفرنا له ، ومن أصر فاللَّه أولى به ، ولا تخرقن على أحد سترا » « 1 » . وقال الآلوسي . واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى معرفة الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها ، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة : أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون : فلان في الجنة وفلان في النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدرى . لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي . فقد قال نوح عليه السلام « وما علمي بما كانوا يعملون » وقال شعيب عليه السلام « وما أنا عليكم بحفيظ » ، وقال اللَّه تعالى لنبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم * ( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) * . وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب ، وتجرد النفس عن الشواغل . ثم قال : والجملة الكريمة « لا تعلمهم نحن نعلمهم » تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق ، أي : لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم ، إلا من لا تخفى عليه خافية ، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص « 2 » . وقوله : * ( سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) * وعيد لهم بسوء المصير في الدنيا والآخرة . أي : هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق ، سنعذبهم في الدنيا مرتين ، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون في قلق وهم دائم ، والأخرى عن طريق ضرب
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 384 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 11 .