تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية ولعل أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من أن هذه الآية نزلت في أبى لبابة وأصحابه ، وكانوا تخلفوا عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، فلما قفل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من غزوته ، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول اللَّه وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء ونبي اللَّه في الجهاد واللأواء . واللَّه لنوثقن أنفسنا بالسواري ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي اللَّه هو الذي يطلقنا . وأوثقوا أنفسهم . وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فقدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم ، فقيل له : إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي اللَّه ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا اللَّه ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللَّه ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين » ، فأنزل اللَّه تعالى : * ( وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً . . . ) * الآية ، فأطلقهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وعذرهم « 1 » . ثم أمر اللَّه تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم ، فقال : * ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها ) * . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه جاؤوا بأموالهم إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا له يا رسول اللَّه هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا ، فقال : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » . فأنزل اللَّه تعالى * ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . . . ) * الآية « 2 » . وقال الإمام ابن كثير : أمر اللَّه تعالى - رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها . وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم . ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله : - تعالى - : * ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . . . ) * الآية . وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 105 طبعة دار المعارف . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 102 .