روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ، ألا تخبرني عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن ؟ فقال لي : إن اللَّه - تعالى - قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة في كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، فقلت له : وفي أي موضع أوجب لهم الجنة ، فقال : سبحان اللَّه ! ! ألم تقرأ قوله . تعالى - : * ( والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ . . ) * الآية فقد أوجب . سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تابعيهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءا . . « 1 » .
وقوله : * ( رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ) * بيان لسمو منزلتهم ، وارتفاع مكانتهم .
أي : رضى اللَّه عنهم في إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم ، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة ، وبما نالوه منه . سبحانه . من هداية وثواب .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم في الآخرة من إكرام فقال : * ( وأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً . ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * .
أي : أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه في الدنيا ، قد أعد لهم - سبحانه - في الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود في الجنات من الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز ، ولا تدانيه سعادة .
قال الإمام ابن كثير : أخبر اللَّه - تعالى - في هذه الآية « أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان . فيا ويل من أبغضهم ، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا باللَّه من ذلك ، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضى اللَّه عنهم ؟
وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى اللَّه عنه ، ويسبون من سبه اللَّه ورسوله ، ويوالون من يوالى اللَّه ، ويعادون من يعادى اللَّه ، وهم متبعون لا مبتدعون ، وهؤلاء هم حزب اللَّه المفلحون ، وعباده المؤمنون « 2 » .
وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 7 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 371 .