تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وقوله : * ( واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * أي : « عليم » بأحوال عباده الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء من صفاتهم وطباعهم « وحكيم » في صنعه بهم ، وفي حكمه عليهم ، وفيما يشرعه لهم من أحكام ، وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب . هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب وجهلهم ، ومن ذلك قول الإمام ابن كثير : قال الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوهان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم « نهاوند » فقال الأعرابي : واللَّه إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبنى ! ! فقال زيد : وما يريبك من يدي ؟ إنها الشمال ! ! فقال الأعرابي : واللَّه ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال ! ! فقال زيد : صدق اللَّه إذ يقول : * ( الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفاقاً وأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى رَسُولِه . . ) * . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن » . وروى الإمام مسلم عن عائشة قال : قدم ناس من الأعراب على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا : أتقبلون صبيانكم ؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم نعم . فقالوا : لكنا واللَّه ما نقبل ! ! فقال صلى اللَّه عليه وسلم « وما أملك إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة » « 1 » . ثم بين - سبحانه - حال فريق آخر من منافقي الأعراب فقال : * ( ومِنَ الأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً ) * . أي : ومن الأعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه في سبيل اللَّه غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا في ثواب ، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين ، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين ، ولا حبا في انتصار المؤمنين . قال الجمل : وقوله : « من يتخذ ما ينفق مغرما » « من » مبتدأ ، وهي موصولة أو موصوفة ، و « مغرما » . مفعول ثان ، لأن « اتخذ » هنا بمعنى صير ، والمفعول الأول قوله : « ما ينفق » . والمغرم : الخسران ، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه ، وقيل أصله الملازمة ، ومنه الغريم للزومه من يطالبه » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 283 بتصرف وتلخيص . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 211 .