تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
في الدنيا ، أما في الآخرة ، فأنتم « ستردون » يوم القيامة « إلى عالم الغيب والشهادة » الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء « فينبئكم بما كنتم تعملون » أي : فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب . ثم أخبر - سبحانه - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ، سيؤكدون أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال : * ( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّه لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ . . . ) * . أي : أنهم سيحلفون باللَّه لكم - أيها المؤمنون - إذا ما رجعتم إليهم من تبوك وذلك لكي تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على قعودهم ، ولا تعنفوهم على تخلفهم . وقوله * ( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ) * تعليل لوجوب الإعراض عنهم ، لا على سبيل الصفح والعفو ، بل على سبيل الإهمال والترك والاحتقار . أي : فأعرضوا - أيها المؤمنون - عن هؤلاء المنافقين المتخلفين ، لأنهم « رجس » . أي : قذر ونجس لسوء نواياهم ، وخبث طواياهم . وقد جعلهم - سبحانه - نفس الرجس ، مبالغة في نجاسة أعمالهم ، وقبح بواطنهم . وقوله : * ( ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * بيان لسوء مصيرهم في الآخرة . أي : أنهم في الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم ، أما في الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة ، وما اجترحوه من أفعال سيئة . وقوله : * ( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) * بدل مما قبله . ولم يذكر - سبحانه - المحلوف به لظهوره أي : يحلفون باللَّه لترضوا عنهم ، ولتصفحوا عن سيئاتهم . . . وقوله : * ( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّه لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) * بيان لحكم اللَّه - تعالى - فيهم ، حتى يكون المؤمنون على حذر منهم . أي : إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون باللَّه لكم بأنهم ما تخلفوا إلا لعذر ، لكي تصفحوا عنهم ، أيها المؤمنون ، فإن صفحتم عنهم على سبيل الفرض فإن اللَّه - تعالى - لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقوا عن أمره ، وخرجوا عن طاعته . وقال الآلوسي ، « والمراد من الآية الكريمة ، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم ، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده ، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه اللَّه - تعالى - مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين ، والآية نزلت على ما روى عن ابن عباس في جد بن قيس ،
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 384 | سيد محمد طنطاوي