وقوله : * ( ولكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) * استدراك للرد عليهم فيما قالوه وأقسموا عليه كذبا وزورا .
وقوله : * ( يَفْرَقُونَ ) * من الفرق ، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله .
يقال : فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه .
أي : أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم - أيها المؤمنون - يحلفون لكم كذبا وزورا بأنهم منكم ، والحق أنهم ما هم منكم ، ولكنهم قوم جبناء . لا يستطيعون مصارحتكم بالعداوة ، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم لكم من بغضاء .
وقوله - سبحانه - : * ( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ . . . ) * تأكيد لما كان عليه أولئك المنافقون من جبن خالع .
والملجأ : اسم للمكان الذي يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو قلعة أو غيرهما .
والمغارات : جمع مغارة وهي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل . قال بعضهم :
والغور - بفتح الغين - من كل شيء قعره . يقال : غار الرجل غورا إذا أتى الغور وهو المنخفض من الأرض « 1 » .
والمدخل - بتشديد الدال اسم للموضع الذي يدخلون فيه ، بصعوبة ومشقة لضيقه ، كالنفق في الأرض .
وقوله : * ( يَجْمَحُونَ ) * أي : يسرعون أشد الإسراع مأخوذ من الجموح وهو أن يغلب الفرس صاحبه في سيره وجريه . يقال : جمح الفرس براكبه جموحا ، إذا استعصى عليه حتى غلبه .
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يستخفون فيها . أو سردابا في الأرض ينجحرون فيه ، لأقبلوا نحوه مسرعين أشد الإسراع دون أن يردهم شيء ، كالفرس الجموح الذي عجز صاحبه عن منعه من النفور والعدو .
فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من المؤمنين ،
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 290 .