رجبا وكانت قبيلة مضر تحرم رجبا نفسه ، لذا قال صلى اللَّه عليه وسلم فيه « ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » .
قال ابن كثير . وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة : ثلاثة سرد . وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل الحج شهرا وهو ذو القعدة يقعدون فيه عن القتال وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ، ويشتغلون بأداء المناسك ، وحرم بعده شهرا آخر هو المحرم ، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين ، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا « 1 » .
واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) * يعود إلى ما شرعه اللَّه - تعالى من أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا ، ومن أن منها أربعة حرم .
والقيم : القائم الثابت المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج أي : ذلك الذي شرعناه لكم من كون عدة الشهور كذلك ، ومن كون منها أربعة حرم : هو الدين القويم ، والشرع الثابت الحكيم ، الذي لا يقبل التغيير أو التبديل . . لا ما شرعه أهل الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة لأهوائهم وشهواتهم ، وإرضاء لزعمائهم وسادتهم .
والضمير المؤنث في قوله * ( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) * يرى ابن عباس أنه يعود على جميع الشهور أي : فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم ، بأن تفعلوا فيها شيئا مما نهى اللَّه عن فعله ، ويدخل في هذا النهى هتك حرمة الأشهر الأربعة الحرم دخولا أوليا .
ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم ، لأنه إليها أقرب لأن اللَّه تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد من الاحترام تشريفا لها .
وقد رجح ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها ، فإن اللَّه عظمها وعظم حرمتها .
وعن قتادة : إن اللَّه اصطفى صفايا من خلقه ، اصطفى من الملائكة رسلا ، ومن الناس رسلا ، واصطفى من الكلام ذكره ، واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم ، واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر ، فعظموا ما عظم اللَّه ، فإنما تعظم الأمور بما عظمها اللَّه عند أهل الفهم . . فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فقد يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 354 .