تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
عفان ، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية . قال القرطبي : قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها ، ولو كان ضبط المال ممنوعا ، لكان حقه أن يخرج كله ، وليس في الأمة من يلزم هذا . وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان اللَّه عليهم - وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له « 1 » . ( ج ) ما ورد من آثار في ذم الكنز والكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو في حق من امتنع عن أداء حق اللَّه في ماله . قال صاحب الكشاف . فإن قلت فما تصنع في قوله صلى اللَّه عليه وسلم « من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها » . قلت . كان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فأما بعد فرضيتها ، فاللَّه أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ، ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه ، ثم يعاقبه . ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد اللَّه يقتنون الأموال ويتصرفون فيها ، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ، ولكل شيء حد « 2 » » . 4 - أن الإسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال - بعد أداء حق اللَّه فيه - إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين في حبهم لهذا الاقتناء ، حتى لا يشغلهم حب المال عن طاعة اللَّه . ورحم اللَّه الإمام الرازي ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه ، اعلم أن الطريق الحق أن يقال ، الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع . فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى . أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فلوجوه منها : أن كثرة المال سبب لكثرة الحرص في الطلب ، والحرص متعب للروح والنفس والقلب . . والعاقل هو الذي يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه . وأن كسب المال شاق شديد وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل وأخرى
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 131 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 268 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 275 | سيد محمد طنطاوي