وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ « 1 » .
وإنما اقتصر ، سبحانه ، في الآية التي معنا على همهم بإخراجه . صلى اللَّه عليه وسلم . من مكة ، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد أمور ثلاثة - لأن الإخراج هو الذي وقع أثره في الخارج بحسب الظاهر ، أما القتل والحبس فلم يكن لهما أثر في الخارج .
وقيل : إنه . سبحانه . قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإخراج ، ليعلم غيره بالطريق الأولى ، إذ الإخراج أهون من القتل والحبس .
وأما السبب الثالث فهو قوله . سبحانه . * ( وهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * أي : وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم في أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر ، كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم في كل قتال بعد ذلك ، كما حدث منهم في أحد والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة .
قال صاحب الكشاف : قوله : * ( وهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * أي : وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة ، لأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير ، وتحداهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال . فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ، فما يمنعكم من أن تقابلوهم بمثله ، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم ؟ « 2 » .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل بحمل المؤمنين على قتال المشركين . . فكيف وقد توفرت هذه الأمور الثلاثة في هؤلاء المشركين ؟ .
ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهييج والتحريض للمؤمنين على القتال ، بل أمرتهم بأن تكون خشيتهم من اللَّه وحده ، فقال سبحانه * ( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * .
أي : أتتركون - أيها المؤمنون - قتال هؤلاء المشركين الذين * ( نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * خشية منهم . . ؟ لا ، إن هذا لا يليق بكم ، وإنما الذي يليق بكم - إن كنتم مؤمنين حقا - أن تكون خشيتكم من اللَّه وحده .
قال الإمام الرازي : وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه :
الأول : أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوى هذه الداعية .
الثاني : أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك ؟ كان ذلك تحريكا لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه .
الثالث : أن قوله : * ( فَاللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه ) * يفيد ذلك كأنه قيل : إن كنت تخشى أحدا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال الآية 30 .
( 2 ) الكشاف ج 2 ص 253 .