تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وفائدة هذا التكرار للفظ * ( كَيْفَ ) * : التأكيد والتمهيد لتعداد الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإغلاظ عليهم ، والحذر منهم . قال الآلوسي : وحذف الفعل بعد كيف هنا لكونه معلوما من الآية السابقة ، وللإيذان بأن النفس مستحضرة له ، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره . وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده . ومن ذلك قول كعب الغنوي يرثى أخاه أبا المغوار :
وخبرتماني أنما الموت بالقرى فكيف وماتا هضبة وقليب
يريد فكيف مات والحال ما ذكر . والمراد هنا : كيف يكون لهم عهد معتد به عند اللَّه وعند رسوله وحالهم أنهم * ( إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا ولا ذِمَّةً ) * « 1 » . وقوله : * ( يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) * يظفروا بكم ويغلبوكم . يقال : ظهرت على فلان أي : غلبته ومنه قوله - تعالى - فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي : غالبين . وقوله : * ( لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ ) * أي : لا يراعوا في شأنكم . يقال : رقب فلان الشيء يرقبه إذا رعاه وحفظه . . ورقيب القوم حارسهم . والإل : يطلق على العهد ، وعلى القرابة ، وعلى الحلف . قال ابن جرير - بعد أن ساق أقوالا في معنى الإل - وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : والإل : اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهي العهد والعقد ، والحلف ، والقرابة . . ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم
أي قطعوا القرابة . ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل :
وجدناهم كاذبا إلَّهم وذو الإل والعهد لا يكذب
وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ، ولم يكن اللَّه خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانيها الثلاثة . . . « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي - بتصرف يسير - ج 10 ص 49 . [ . . . ] ( 2 ) تفسير ابن جرير - بتصرف وتلخيص - ج 10 ص 83 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 215 | سيد محمد طنطاوي