تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والذمة : كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هي ما يتذمم به أي يجتنب فيه الذم . والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند اللَّه وعند رسوله ، والحال المعهود منهم أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا في أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق . وقوله - تعالى - : * ( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ ، وأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) * زيادة بيان للأحوال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين . أي : أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فعلوا بكم الأفاعيل ، وتفتنوا في إيذائكم من غير أن يقيموا ووزنا لما بينكم وبينهم من عهود ومواثيق ، وقرابات وصلات . . . أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة * ( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) * أي : يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم ، وهم في الوقت نفسه * ( تَأْبى قُلُوبُهُمْ ) * المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم ، فهم كما وصفهم - سبحانه - في آية أخرى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ « 1 » . وتقييد الإرضاء بالأفواه ، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم . وقوله : * ( وأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) * أي : خارجون عن حدود الحق ، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة ، إذ الفسق هو الخروج والانفصال . يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع . وإنما وصف أكثرهم بالفسوق ، لأن هؤلاء الأكثرين منهم ، هم الناقضون لعهودهم ، الخارجون على حدود ربهم ، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا بعهودهم ، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا . وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا في نهاية الذم والقبح ، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا وأسرفوا في الإيذاء ، نابذين كل عهد وقرابة وعرف . . . أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذي تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة . أي أن الغدر ملازم لهم في حالتي قوتهم وضعفهم ، لأنهم في حالة قوتهم * ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا ولا ذِمَّةً ) * .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 167 .